عندما تحلّ الكارثة، فإنها تحلّ دفعة واحدة. لم تكف كل الأزمات المعيشية التي تواجه اللبنانيين، حتى أضيف إليها التقنين الحاد في الكهرباء، نتيجة التأخر في دفع اعتمادات الفيول. ثم لم يتأخر الوقت قبل أن يتبيّن أن المولّدات الخاصة غير قادرة على تعويض الفارق، بسبب أزمة مازوت مستجدّة. وكل ذلك يجري في درجة حرارة تجاوزت الـ33 درجة مئوية.

تلك عينة لما يمكن أن يكون الوضع عليه خلال الصيف، وما يليه، مهما وعد المسؤولون ومهما وضعوا الخطط. خطة الكهرباء شاهد على أن الخطط، ليست سوى جرعات من الأمل الكاذب، مهمتها محصورة بالبروباغندا وتسجيل النقاط السياسية.


منذ العام ٢٠١٥ كان يفترض أن تكون الكهرباء ٢٤ على ٢٤، على ما وعد الوزير جبران باسيل في خطة العام ٢٠١٠، لكن الواقع يزداد مأساوية يوماً بعد يوم. الخسائر التي تواجه اللبنانيين لا تعوض. في أيام الازدهار لم تُبنَ المعامل، فهل تُبنى في زمن الانهيار؟ معمل «دير عمار٢»، حتى بعد تغيير عقده، كان يفترض أن يكون جاهزاً السنة المقبلة لإنتاج ٣٦٠ ميغاواط، كمرحلة أولى، بينما الواقع يشير إلى أن الأعمال لم تبدأ بعد. محطة الغاز كان يفترض أن تكون في المياه اللبنانية منذ سنوات، لولا أن قررت الحكومة إلغاء مناقصتها، وإطلاق أخرى تسمح بمحاصصة أكثر عدلاً، قبل أن تجمد نتيجتها.

التغذية تتحسن تدريجياً بدءاً من اليوم

هذه الأزمة يفترض أن تكون شارفت على الانتهاء، إذ تؤكد مصادر كهرباء لبنان أنه أعيد تشغيل أحد التوربينات في معمل دير عمار، ما يمهّد للبدء بزيادة الإنتاج. وقد أتت هذه الخطوة بعد أن أعلنت المؤسسة أنها «تبلّغت، عبر المديرية العامة للنفط، برفع الحجز المالي عن الشحنتين المذكورتين، بما يسمح بالمباشرة في عملية تفريغ حمولتيهما، وتالياً بعودة التغذية الكهربائية تدريجياً إلى ما كانت عليه».


عملياً، تقدّر كهرباء لبنان الطلب على الطاقة خلال فصل الصيف بنحو ٣٣٠٠ ميغاواط. في الأيام السابقة، لم يصل المعدل إلى هذا المستوى، نظراً إلى استمرار إغلاق المراكز التجارية، لكن موجة الحر جعلت الطلب يرتفع بشكل غير معهود في هذه الفترة من السنة. في المقابل، فإن المؤسسة كانت قد رسمت خطط التغذية على أساس تأمين ما بين ١٥٠٠ و١٦٠٠ ميغاواط يومياً، بما يضمن «استقرار التقنين» طيلة العام. لكن نظراً إلى شح الفيول، خفضت الانتاج إلى ما بين 1200 و1300 ميغاواط. هذه الكمية، مع معدل الطلب المتدني في ظل الإقفال العام وعدم الحاجة إلى المكيفات، كانت مقبولة، لكن بمجرد أن ارتفع الطلب على الكهرباء ظهرت حقيقة الأزمة.


مسألة الفيول تلك تكررت أكثر من مرة. والمشكلة هنا مشكلتان؛ الأولى تتعلق بعدم وجود خزانات كافية لتفريغ حمولات الفيول التي تصل تباعاً، بسبب الاستمرار في ملء الخزانين الرئيسيين بشحنة الفيول المغشوش، التي سبق أن رفضت كهرباء لبنان تسلّمها. والثانية تتعلق بالتأخير المتكرر في فتح الاعتمادات من قبل مصرف لبنان، ما يؤخر بالتالي تفريغ الحمولات، ويكبّد الخزينة اللبنانية بدلات توقف الناقلات البحرية.

تفريغ كامل الشحنات متعذّر بسبب امتلاء الخزانات بالفيول المغشوش

مرّ نحو شهرين على أزمة الفيول المغشوش. وبالرغم من موافقة سوناطراك على استرداد الشحنة، لم تنفذ هذه الخطوة بعد. مصادر معنية تشير إلى إجراءات بيروقراطية من جهة وإجراءات تنسيقية مع سوناطراك، تؤخر الاسترداد. لكن النتيجة واحدة. اختناق في القدرة التخزينية لمؤسسة كهرباء لبنان. فالشحنة المغشوشة محفوظة في الخزانين الرئيسيين للمؤسسة (25 ألف طن سعة كل خزان)، علماً بأن الخزانات الاحتياطية (22 ألف طن في الزوق و11 ألفاً في الجية) لا تكفي لتفريغ شحنة كاملة.


أما بالنسبة إلى فتح الاعتمادات الدولارية، فتلك مهمة يتولاها مصرف لبنان؛ بعد أن يصله ثمن البضاعة، من وزارة المالية (من ضمن السلفة التي حصلت عليها كهرباء لبنان في الموازنة)، يعمد إلى تحويل المبلغ إلى الدولار، ومن ثم إرساله إلى المصارف الخارجية التي تتعامل معها الشركات المستوردة للفيول. بعيداً عن التأخير في تنفيذ مصرف لبنان للشق الواجب عليه من العملية، يبدو أن الاعتمادات اللبنانية بدأت تشهد تدقيقاً إضافياً في المصارف الخارجية، على ما يقول مصدر متابع، مشيراً إلى أن هذه المصارف، كما الشركات، لم تعد تخاطر في تسليم أي ليتر من الفيول إلى لبنان قبل تسلّم ثمنه.