خَطَتْ الحكومة، الأسبوع الماضي، خطوة قانونية وسياسيّة مهمّة، بإقرارها «ورقة السياسة العامة لعودة النازحين» التي تتضمّن تعاوناً مباشراً بين الحكومتَين اللبنانية والسورية، متجاوزة بذلك الانقسامات التي منعت إقرار خطّة من هذا النوع في الحكومات الماضية.

ولئن كان الهدف الأميركي هو منع العودة بأيّ شكل أو، على الأقل، عرقلته للحصول على مكاسب سياسية منه، فإنّ التجاذب في هذا الملفّ مرشّح للتصاعد وازدياد التعقيدات، مع السوء الذي وصلت إليه الخدمات المقدّمة من الجهات المانحة، والسلوك الاستغلالي من المصارف لأموال النازحين، والبطالة المتفاقمة وانتشار جائحة «كورونا».
أكثر من أيّ وقتٍ مضى، يصرّ الأميركيون على استخدام النازحين أسوأ استخدام، وخوض جزء من المعركة والحصار ضد سوريا ولبنان بهم وبمصيرهم وحقّهم في العودة إلى ديارهم.
فالأرقام التي تعلنها، مثلاً، المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، بأ، 89% من اللاجئين السوريين في لبنان يرغبون في العودة إلى سوريا، ليست ذات معنى في عرف مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر. إذ لم ينسَ الدبلوماسي المتطرّف ذكر النازحين في إطلالته الإعلامية الأخيرة وتناوله الشأن اللبناني، معتبراً أنّ «ليس مناسباً بعد أن يعود هؤلاء اللاجئون إلى ديارهم الآن. لا يمكنهم العودة إلّا عندما تكون آمنة وكريمة وبطريقة طوعية تماماً».
هذا في العلن. أمّا في السّر، فعلمت «الأخبار» أنّ الخطّة اللبنانية أثارت سخطاً أميركيّاً على الحكومة والقوى السياسية الواقفة خلفها، باعتبارها كسراً للمحرّمات، وتحدّياً للقرار الأميركي بمنع العودة من لبنان والأردن والتنف في المثلث الأردني – السوري – العراقي. ومع بدء تطبيق الخطّة سيزداد الضغط لعرقلتها.
طبعاً، المحاججة في الموقف الأميركي من باب مصلحة لبنان وسوريا بعودة النازحين، تبدو ضرباً من الخيال. والا ما هو الأكثر «طوعيّةً» من مطالبة غالبية السوريين في لبنان، بحسب المفوضية، بالعودة؟
عودة النازحين إلى سوريا، تعني أميركياً، إسقاطاً للاتهام السياسي للحكومة السورية برفض عودة مواطنيها، ولكلّ البروباغندا الإعلامية التي عملت طوال سنوات على تحريض النازحين على النزوح واللجوء وعلى شيطنة السلوك السوري مع العائدين. وهو أيضاً، خسارة لورقة ضغط مهمّة على الرئيس بشار الأسد في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ضمن الملفّ التفاوضي الدولي مع سوريا حول اقتراع اللاجئين في دول الجوار.
أمّا في الداخل اللبناني، فالهمّ الأميركي هو منع أي اتّصال رسمي سوري – لبناني وزيادة الحواجز بين البلدَين، واستمرار عبء النزوح على الواقع السياسي والاقتصادي والأمني، بما يزيد الضغط على حزب الله ويفاقم النزعات «الهوياتية» الضيقة في البلاد، ويدفع النازحين بدورهم نحو الانفجار في اتّجاهات الفوضى والأمن، مع طروحات التوطين الدولية الواضحة.
وتتجاوز أبعاد الملفّ الساحة اللبنانية إلى أوروبا التي باتت تتحسّب لموجة لجوء جديدة، من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، فتستثمر مباشرةً في القوات المسلّحة اليونانية، البريّة والبحرية، لمواجهة هذا «الخطر» على «تخوم» القارة، وغيرها الكثير من الإجراءات التي تدلّ على حجم القلق الأوروبي. بينما يطالب الأوروبيون الأجهزة الأمنية اللبنانية بممارسة دور «حرس الحدود» ومنع المهاجرين من الفرار من لبنان.

من يسرق أموال النازحين المصارف أم المنظّمات؟
إلّا أن هذا الضغط الأميركي، يتكامل حدّ التماهي مع شبكة متكاملة من المصالح، تتلاقى فيها المصلحة الأميركية مع منفعة المصارف اللبنانية والموظّفين الأجانب في المؤسسات الدولية المعنيّة بالملفّ الذين قرّروا دفع المساعدات للنازحين بالليرة اللبنانية، وبقيمةٍ منقوصة! فمنظومة الاستغلال المحليّة والدولية، تساهم بفعالية في مفاقمة أزمة مزمنة بمخاطر عديدة، ستبدأ تداعياتها بالظهور في المدى القريب.
منذ بدء المصارف بـ«مصادرة» أموال المودعين وحسابات العملات الأجنبية، والدولار تحديداً، أُدْخِلت منظومة مساعدات النازحين السوريين والحسابات العائدة لتمويلهم، ضمن دائرة الإجراءات. ومن غير مبرّر، توقّف الدفع بالدولار للنازحين، وبقيت القيمة المالية التي يحصلون عليها والمخصّصة لشراء المواد الاستهلاكية، على سعر الصرف الرسمي لأشهر. سابقاً، كانت حصّة الفرد من العائلة المسجّلة لدى المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمقدّمة من برنامج الأغذية العالمي، تساوي 27 دولاراً أميركياً، أي 40 ألفاً و500 ليرة. ومع انهيار سعر الصرف، تلقى النازحون لأشهر هذه القيمة، قبل أن يبدأ البرنامج برفع قيمة التقديمات نهاية شهر أيار الماضي، 10 آلاف ليرة كل شهر. وهي الآن تبلغ 70 ألف ليرة، أي ما يقل عن 10 دولارات للفرد وفق سعر الصرف الفعلي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المساعدات المالية المباشرة التي كانت تساوي 173 دولاراً للعائلة، أي حوالى 260 ألف ليرة. ورفعت المفوضية القيمة بالليرة اللبنانية إلى حدود الـ 400 ألف ليرة، أي ما يعادل اليوم نحو 50 دولاراً.
هذا الواقع يطرح العديد من الأسئلة على المفوضية والمصارف والدولة اللبنانية التي من واجبها أن تتدارك نتائج تراجع الخدمات المقدّمة للنازحين على الواقع الاجتماعي والأمني في البلاد.
ولا بدّ من السؤال: ما هو الرقم الإجمالي الشهري، بالدولار، الذي تقدّمه المفوضية إلى النازحين؟ وهل تصل أموال النازحين إلى لبنان بالعملة الصعبة أم بالليرة؟ الجواب، طبعاً، هو بالعملة الصعبة وعلى دفعات من الموازنات السنوية للمنظّمات ومن دفعات فصلية أو عشوائية من الدول المانحة. السؤال الثاني الأهم، لماذا لا يتمّ التعامل مع هذه الحسابات على أنها «أموال طازجة»؟ وهل تُعامل الدفعات التي تصل حديثاً إلى الحسابات الرئيسية كـ«أموال طازجة» ومن ثمّ يتم التعامل معها بطريقة الحسابات القديمة بعد تحويلها إلى حسابات النازحين؟ وهل يتمّ تحويل الأموال من الخارج أم من حسابات في الداخل اللبناني؟ وإذا كانت أموال النازحين تحوّل من حسابات داخلية جرى سابقاً تحويل الموازنات السنوية إليها، فهل يعني هذا الأمر أن الأموال التي ستأتي مطلع السنة المقبلة من الموازنات الجديدة سيتمّ التعامل معها كحسابات طازجة ويتم الدفع بالدولار للنازحين؟
أمّا السؤال الأبرز فهو عن الجهة التي تتحمّل المسؤولية. فهل يمكن للمصارف أن تفرض هذه الإجراءات على المنظمات الدولية التي تحصل على التقديمات بالعملات الصعبة من دون أيّ دور لهذه المنظّمات؟ أم أن عملية السطو على القطع الأجنبي تحصل بالتكافل والتضامن بين المصارف ومجموعة من الموظفين الغربيين في هذه المنظّمات، ينفّذون دوراً واضحاً في إيصال واقع النزوح إلى لحظة الانفجار ويحصلون على عمولاتهم من المصارف، بينما يخسر النازحون عملياً، نصف حقوقهم على الأقل من المبالغ المخصّصة لهم؟
تجيب مصادر رسمية لبنانية بأن قرار دفع الأموال بالليرة لا بالدولار اتخذه مصرف لبنان بالاتفاق مع المصارف، في ظل صمت المنظمات الدولية. وتلفت إلى أن مفاوضات تجرى حالياً مع مصرف لبنان لصرف الأموال بسعر 4000 ليرة للدولار الواحد، لتعويض جزء من الخسارة التي أصابت النازحين جرّاء تدهور سعر الصرف في السوق السوداء.
أسئلة إضافية أخرى بعد: من يحدّد النازحين المستفيدين؟ وكيف تتم عملية إضافة الأسماء إلى قوائم المستفيدين أو إزالتها وما هي المعايير؟ ومن يضمن عدالة التوزيع والوصول، خصوصاً في ظلّ الحديث عن عمليات استغلال وابتزاز فاقعة تحصل للنازحين من موظّفين محليين، لبنانيين وسوريين؟

متى يبدأ تنفيذ خطّة الحكومة؟
ليس واضحاً بعد موعد البدء بتنفذ الخطة الحالية، والسبب الأبرز هو تفشّي جائحة «كورونا». إذ أن سوريا لا تزال تغلق حدودها بنسبة كبيرة بسبب نقص فحوصات الـpcr المتوفّرة لديها بفعل الحصار ونقص أجهزة التنفس الاصطناعي وخوف الحكومة من فقدان سيطرتها على الفيروس في حال تدفُّق العائدين من دون فحوصات. ولا يوجد حتى اليوم، أي جهة تكفّلت بالقيام بالفحوصات على الحدود السورية – اللبنانية. وحين جرى طرح إقامة «هنغار» على الحدود لإجراء حجر احتياطي لمجموعات النازحين الراغبين بالعودة، تهرّبت المنظّمات الدولية، في ما يبدو استكمالاً لسياسة عدم التشجيع على العودة والتي تظهر في أوضح صورها في مسألة تخويف النازحين ممّا قد يحصل لهم في الداخل السوري.

خطة مجلس الوزراء أثارت سخطاً أميركيّاً على الحكومة والقوى السياسية الواقفة خلفها

وعلمت «الأخبار» أن المفوضية السامية لم تقدّم جوابها بعد على خطة الحكومة، وهي حاولت الحصول عليها قبل إقرارها لكن الأمر قوبل برفض الحكومة ووزير الشؤون الاجتماعية رمزي مشرفية. وخلال الأسبوع الحالي، من المفترض أن تعقد اللجنة الوزارية المكلّفة متابعة الملفّ، والمؤلفة بشكل أساسي من مشرفية ووزراء المهجرين غادة شريم والداخلية محمد فهمي والخارجية ناصيف حتّي وآخرين اجتماعاً موسّعاً، لوضع الخطوات العملية لتنفيذ الخطة، قبل توجّه مشرفيّة إلى دمشق لوضع المسؤولين السوريين في صورة الاجتماع الحكومي وبحث آليات العمل. ويخشى العديد من الأطراف أن تبقى الخطة حبراً على ورق، وأن تتراجع الحكومة عن التنفيذ في ظلّ الضغوط الأميركية المرشّحة للتفاقم.

أزمات فوق الأزمة
لا تقف حالة الانهيار في ملفّ النزوح عند أزمة تراجع الخدمات المقدّمة، إنّما من أزمة البطالة المتنامية والتي وصلت بحسب أكثر من إحصاء إلى حوالى 75% بين النازحين، مع تراجع قطاع البناء والقطاعات الأخرى. وكذلك الأمر بالنسبة إلى البيوت المؤجرة، والتي يطالب أصحابها شاغليها بتركها، مع تراجع قدرتهم على الدفع، فيما كانت المنظمات الدولية تغطي جزءاً من بدلات الإيجار. وفي البقاع، ارتفع الصوت مع بدء أصحاب الأراضي الذين سبق لهم أن أجّروا النازحين بقعاً لإقامة مخيمات عليها، بالمطالبة باسترداد أراضيهم إمّا بغاية الزراعة والاستصلاح أو بسبب تراجع قدرة النازحين على الدفع.

انخفض الدعم من 27 دولاراً للشخص إلى أقل من 10 دولارات ومن 173 دولاراً للعائلة إلى 50

وأدّى الطوق الذي ضربه الجيشان اللبناني والسوري على الحدود إلى منع وصول البضائع السورية المهرّبة إلى النازحين، ما ضاعف من تراجع قدرتهم بالحصول على سلع رخصية نسبيّاً، حتى وصل الأمر بفعاليات في البقاع (خاصة في عرسال) إلى مطالبة الأمن العام اللبناني بتخفيف الإجراءات حتى يتمكّن الأهالي، لبنانيون وسوريون، من الاستفادة من السلع السورية المهرّبة. ولعلّ التحقيق الذي أجرته الباحثة في الأنثروبولوجيا في جامعة نيويورك شاينا سجاديان وترجمه موقع «الخندق»، حول واقع النازحين في سهل البقاع و«نظام الشاويش» الذي يجري اعتماده، هو أبلغ تعبير عمّا يحصل، وعن خطورة المرحلة المقبلة واحتمالات الانفجار الواسع للواقع السوري في لبنان.


المفوضية: الإجراءات المصرفية هي السبب
تقول الناطقة الرسمية باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ليزا أبو خالد، إن هناك «نحو 892 ألف لاجئ سوري مسجلين لدى المفوضية، كما تشير تقديرات الحكومة اللبنانية إلى وجود ما يصل إلى 1.5 مليون لاجئ سوري في البلاد، بما في ذلك أولئك غير المسجلين لدى المفوضية». وتشير أبو خالد إلى أن «القيود والإجراءات المصرفيّة تُطبّق هي نفسها على اللاجئين كما على اللبنانيّين والمقيمين في لبنان على السواء، وبالتالي لا يمكن للاجئين أن يسحبوا المساعدات النقديّة المخصّصة لهم من الصرافات الآليّة إلّا بالليرة اللبنانيّة. ولهذا سعينا لأن تتمّ زيادة مبلغ المساعدة النقديّة تكراراً من شهر أيار وحتّى الشهر الحالي للتعويض جزئيّاً عن التضخّم والانخفاض المتقلّب للقيمة غير الرسمية للعملة».
وتؤكّد الناطقة الرسمية باسم المفوضية أنها بدأت في أيار «بدعم 11,500 أسرة لاجئة إضافيّة لمدة 3 أشهر بمساعدة نقديّة قدرها 320,000 ليرة لبنانيّة لكل أسرة في الشهر. وقد واظبنا على جهودنا في شهر حزيران (يونيو) لتشمل 30,000 أسرة إضافيّة، وشملت المساعدات مجموع 98,000 أسرة في الشهر الماضي. هذا بالإضافة إلى 57,730 أسرة استمرّت في الاستفادة من بطاقات الطعام من برنامج الأغذية العالمي (WFP) التي يتم استبدالها في المتاجر».