
مجلة وفاء wafaamagazine
كتبت صحيفة “النهار”:
الجانب الآخر الذي برز في اليوم الأول من المداخلات تمثّل في الغطاء السياسي الواسع بل الفضفاض الذي يحوط إنطلاقة الحكومة ويفترض معه ان تكون إقلاعتها فعّالة وسلسة ما دامت معظم الكتل النيابية الكبيرة أعلنت من الساعات الأولى للجلسة منح الحكومة الثقة وأشادت غالبيتها، ولو بتفاوت الدرجات، بالالتزامات التي قطعتها الحكومة على نفسها في بيانها الوزاري. وصار في حكم المؤكد أن الجولات الخارجية لرئيس الجمهورية العماد جوزف عون وما يمكن أن يبرز في برنامج الرئيس سلام أيضاً من تحرك خارجي سيشكل عنوان الأولوية الملحة العاجلة لإعادة إحياء علاقات لبنان الدولية بسرعة وتوظيف الدعم القوي للحكم والحكومة، أولاً في الضغط لحمل إسرائيل على الانسحاب من النقاط الخمس التي لا تزال تحتلها في المنطقة الحدودية الجنوبية، وثانياً لبرمجة إعادة الإعمار للمناطق المنكوبة بالحرب الأخيرة. كما أن ورشة تعيينات ضخمة تقف خلف الباب وتشمل المواقع الكبرى بدءاً بقيادة الجيش والقوى الأمنية وحاكمية مصرف لبنان إلى عشرات المواقع الإدارية في كل الوزارات والقطاعات. كما تأتي الأولوية الثالثة العاجلة في استحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية الذي سيشكل مصداقاً لعزم الحكومة على التزام إنجاح الاستحقاقات الانتخابية تمهيداً للانتخابات النيابية في ربيع العام المقبل.
بين الحكومة والنواب
وعكست مناقشات النواب صدى الغالبية الجديدة الناشئة منذ 13 كانون الثاني الماضي التي كلفت الرئيس نواف سلام تشكيل الحكومة على وقع التاييد الواسع أيضاً للعهد الجديد. ومع أن البيان الوزاري صار معروفاً منذ إقراره فإن إعادة تلاوته من رئيس الحكومة نواف سلام أعاد تسليط الأضواء على الجوانب السيادية والإصلاحية وأبرز ما جاء فيه “أننا نعي أن ما شهده بلدنا من عدوان أخير يحتاج إلى بناء ما تهدم وحشد الدعم لذلك وستلتزم الحكومة إعادة الإعمار والتمويل بواسطة صندوق مخصّص”. وأكد أن “أوّل أهداف الحكومة العمل على قيام دولة القانون بعناصرها كافة وإصلاح مؤسّساتها وتحصين سيادتها والدولة التي نريد هي التي تلتزم بالكامل بمسؤولية حماية البلاد”. وشدّد على “التزام الحكومة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها بقواها حصراً”. وأردف: “نريد دولة تملك قرار الحرب والسلم ونريد دولة وفية للدستور والوفاق الوطني والشروع في تطبيق ما بقي في هذه الوثيقة من دون تنفيذ”.
أما مواقف الكتل الكبيرة المؤيدة للحكومة، فكان أبرزها لـ”كتلة الوفاء للمقاومة” التي قال باسمها النائب محمد رعد إن “عناوين البيان الوزاري جميلة ورد الكثيرمنها في بيانات سابقة ما يعني أنّ المشكلة ليست في النّوايا بل في منهجية العمل والانقسام الوطنيّ. أما في إعادة الإعمار، فهذه تتطلب سرعة في الإعداد وتأمين التمويل بروح وطنية”. وأعلن “أننا سنتعاون مع الحكومة ومشاركتنا فيها تنطوي على التعبير عن مواقف شعبنا الذي نمثله. جادون في التعاون وثقتنا نمنحها للحكومة”.
كما أعلن أمين سركتلة “اللقاء الديموقراطي” النائب هادي أبو الحسن منح الحكومة الثقة “إنطلاقاً من قراءتنا للبيان الوزاري الذي لا يسعنا سوى التنويه بروحيته إذ يتلاقى مع توجهاتنا الوطنية والإصلاحية كحزب وكتلة”.
كما أعلنت النائبة ستريدا جعجع باسم كتلة “الجمهورية القوية” منح الثقة انطلاقاً من “أن ما نريده هو التوصّل إلى بناء دولة تحقّق أحلام اللبنانيّين بمستقبل لائق يضعه بين الدول المزدهرة. لاستعادة قرار الحرب والسلم إلى داخل الحكومة من خلال تطبيق القرارات الدوليّة كافّة منها الـ1701 و1559 ولتحقيق العدالة في انفجار المرفأ والمباشرة في إجراء التحقيقات النائمة. وسنمنح الثقة لهذه الحكومة لأنها غير مرهونة بثلث معطل وسيكون لدينا الشجاعة لمساءلتها ومراقبة عملها”.
وفي مداخلة مسائية أيضاً للنائب جورج عدوان طالب الحكومة بوضع جدول زمني لا يتجاوز الأشهر لتسليم كل السلاح والبنى العسكرية والأمنية وتسليمها للجيش.
وأعلن النائب ميشال معوض منح الثقة “ليس فقط للحكومة بل لمسار استرجاع الدولة الذي تمثله هذه الحكومة وبيان وزاري التزم بعمل جاد”. وقال لـ”حزب الله”، “نرفض أن تتعرضوا لما تعرضنا له من اغتيالات وهيمنة السلاح ولا نريد دولة انتقامية لكن نرفض أن نكون في دولة خاضعة”. فردّ رعد على معوض قائلاً: “يجب أن يتواضع ونحن جاهزون للحوار لكن ليس بهذه الطريقة الاستعراضية”. وتابع، “لدينأ أسئلة أضعاف عن التي طرحتها”.
وفي إحدى أطول المداخلات أعلن رئيس تكتل” لبنان القوي” النائب جبران باسيل الذي زار بعد الظهر الضاحية الجنوبية مقدماً التعازي بالأمين العام لحزب الله حسن نصرالله: “نحن موافقون بالكامل على ما ورد في البيان الوزاري لجهة الـ1701 وتحرير كل الأراضي واحتكار حمل السلاح وقرار الحرب والسلم واستراتيجية الدفاع”. وقال “إن حزب الله ارتكب خطأ استراتيجياً كبيراً وخسر في حرب إسناد غزّة ووحدة الساحات وخسّرنا معه معادلة ردع اسرائيل، وخسر الشرعية الوطنية بمقاومة إسرائيل وحده، فتمّ حذف كلمة مقاومة من البيان الوزاري، ولكن لم يفقد لبنان شرعية “مقاومة” الاحتلال، ولا فقد حزب الله شرعيّته الشعبية”. وتوجه إلى الرئيس سلام قائلاً: “بس ما يكون حيادك دولة رئيس الحكومة بالانتخابات متل حيادك بتشكيل الحكومة لأن حيادك عن المعايير الواحدة واضح والاهمّ حيّدت حالك عن التزامات وعدت بها”. وختم: “منحناك ثقتنا عندما سميناك أما اليوم فلن نمنحك اياها”. وعلى الاثر اطلق سلام إشارة من يده نحو باسيل توحي بأنه لا يريد ثقته، فعلّق باسيل: “طبعاً لا تهمك استعادة الثقة إنت مدعوم من الخارج مش فارقة معك”.
الانتخابات البلدية
ومع انعقاد جلسة الثقة واقتراب الموعد المبدئي للانتخابات البلدية في أيار المقبل تصاعد الحديث عن مصير هذا الاستحقاق، علما أن الحكومة لم تترك في بيانها أي لبس حيال التزام انجاز الاستحقاقين البلدي والنيابي. وأمس أكّد وزير الداخلية أحمد الحجار أنّ الوزارة ملتزمة إجراء الانتخابات البلدية في موعدها، “وهذا الموقف ثابت وأكيد ونعقد اجتماعات لمتابعة التحضيرات”، مشدّداً من أمام مجلس النواب على أنّ “الوضع الأمني يتحسّن يوماً بعد يوم، وملتزمون ببسط سلطة الدولة على كامل أراضيها والقوى الأمنية جاهزة ووزارة الداخلية تؤمّن الاستقرار والأمن لكلّ المواطنين”.
وفي غضون ذلك ينتظر أبناء البلدات الحدودية مصير مجالسهم، لا سيما تلك التي تدمرت في الحرب الإسرائيلية الأخيرة وعددها 37 قرية في 3 قطاعات: الغربي والشرقي والاوسط. وثمة قرى لم يتمكن أهلها من العودة اليها فيما يهدد عدم انسحاب إسرائيل من 5 مرتفعات باستمرار السيطرة النارية على كل بلدات جنوب الليطاني. ويدور في أروقة قيادتي حركة “أمل” و”حزب الله” توجه للمطالبة باستثناء هذه البلدات المدمرة من الانتخابات البلدية والإبقاء على مجالسها الحالية بحجة أن ناخبيها ليسوا في وضع يمكنهم من المشاركة في هذه العملية، علماً أن هذه البلدات أصبحت منكوبة بكل ما للكلمة من معنى إذ انعدمت فيها كل الخدمات وتبدلت معالمها بفعل التدمير.
إذا كان الإقبال الشديد على منبريات جلسة مناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام تمهيداً لمنحها ثقة حرزانة شكّل سمة الجلسة، إذ ارتفع عدد طالبي الكلام من النواب إلى 75 نائباً، فإن الجانب “الأعمق” من شكليات التسابق على الشاشات ومخاطبة الرأي العام المحلي تَمثّل واقعياً في رزمات عناوين الملفات والأولويات المتراكمة الموروثة والمحدثّة في شتى الاتجاهات والقطاعات والاستحقاقات. فما بين تلاوة رئيس الحكومة نواف سلام والمداخلات التي تعاقبت في اليوم الأول وستتواصل اليوم في يومها الثاني، برز ما يشبه جردة نادرة بواقع الجمهورية المنهارة تماماً والتي تحوّلت الجلسة، سواء بوعي وإدراك متعمدين من النواب أم بفعل السياق الخطابي وحتى الشعبوي، وهي جردة مهمة تتوقف عليها النظرة إلى برمجة عمل الحكومة والعهد وإطلاق السياسات التنفيذية العاجلة لنفض تراكم الأزمات الكارثية عن اللبنانيين بعد طول تفكك للدولة.